lundi 5 août 2013

النطاقات شبه الحضرية الترارزية: أي تنمية ؟


الدكتور: محمد المامي ولد محمد عبد الله



إن شرح نمو وتوسع مدينة ما أو فئة معينة من المراكز الحضرية، يستلزم التمييز ما بين العوامل الداخلية المشتركة مع بقية مدن ومراكز نفس النظام، والتي تمكن كل مكوناته من التكاثر نظريا بوتيرة متوسطة، كحد أدنى، والشروط الأخرى النوعية والخارجية، التي تتدخل، فتجعل نسب وتيرة التزايد تتجاوز المتوسطات الجهوية أو الوطنية. وفي هذا الإطار فقد اشتركت المراكز الترارزية، مع غير ها من المراكز الموريتانية في عوامل عدة ارتبطت بتدهور الحياة الفلاحية وتحسين الظروف الاقتصادية، إلا أن هذه المراكز كانت لكل منها خصوصيته التي ينفرد بها عن غيره، وهذه الخصوصية ترتبط أساسا بالموقع الجغرافي، والدور الوظيفي التي لعبته كل مدينة في محيطها.
ويمكن تمييز فترتي تمدين كبيرتين عرفتهما المنطقة، تمتد الأولى من بداية القرن العشرين وحتى 1960. والثانية من 1960 إلى يومنا هذا. وقد اقترنت الأولى (1903-1960) بدخول الاستعمار إلى المنطقة، والبدء في وضع أسس السياسات الاستعمارية، من حفر للآبار وبناء للقلاع العسكرية والمدارس وغيرها. وتميزت هذه الفترة بحدوث نمو حضري طفيف، عرفته مراكز بوتلميت والمذرذرة وروصو. وتميزت المرحلة الثانية (1960 وحتى الآن)، بتزامن هذه الفترة مع حصول موريتانيا على الاستقلال وجلاء المستعمر من جهة، وظهور مدينة نواكشوط كعاصمة ناشئة للبلاد في مجال الولاية، من جهة ثانية. وتعتبر هذه المرحلة أهم مرحلة تمدين في تاريخ المنطقة، فبالرغم من أن نواكشوط استجذبت إليها أعداد مهمة من ساكنة البلاد، إلا أن المراكز الحضرية الترارزية، جذبت إليها هي الأخرى، نسبة مهمة من الساكنة الريفية. وتميزت هذه الفترة كذلك، بالقفز الديمغرافي القوي، الذي مر معه عدد  سكان الترارزة من 211800 نسمة سنة 1965 إلى 268220 نسمة سنة 2000.
وقد رافق هذا التوسع المجالي للمراكز الترارزية، تحسن ملحوظ في ظروف الأسر العامة، وخاصة منها ظروف السكن، ذلك أن الحياة المدينية، فرضت التحول من المساكن ذات الطبيعة الريفية، القابلة للتنقل، إلى مساكن أكثر ثباتا، وهو ما استدعى من الساكنة التكيف مع الطبيعة الحضرية الجديدة، رغم الصعاب التي تكتنف وتحيط بهذا التحول. خاصة وأن السلطات لم تلعب أي دور في مجال تهيئة المجالات المستقبلة للوافدين الجدد، وهو ما ترتب عليه خصاص كبير، حتى على مستوى الخدمات الاجتماعية الضرورية للحياة المعاشية عموما، والمدينية خصوصا.
فحتى مطلع السبعينيات، كانت حصيلة انتشار التجهيزات التعليمية والصحية والثقافية العمومية والخصوصية بالترارزة محدودة للغاية، ومُركَّزة من الناحية المجالية، بسبب الإرث الضعيف لفترة الاستعمار وتركز الجهود طيلة الستينيات على إعادة إعمار مدينة نواكشوط، غير أن ملامح هذه الصُّورة ستبدأ تتغير بعد هذا التاريخ، تبعا لعملية تنقيح الخريطة الإدارية والترقيات المتصلة بها، والسياسات المتبعة من قبل الدولة، في ميدان التجهيز الاجتماعي.
 وبالفعل، تم في ظرفٍ ليس بالقصير، إحداث بعض التجهيزات العمومية، وإن كانت بشكل غير كافٍ ولا مَرْضٍ، وخاصة على المستويين التعليمي والصحي، إذ لوحظ أن تطور المؤسسات في هذين المجالين، ظل بطيئا من حيث عددها، والعاملين عليها من جهة، ومختلا من حيث التمايز والتوزيع المجالي من جهة أخرى، وهو ما جعل القطاعين، رغم أهميتهما وحيويتهما، دون المستوى المطلوب في عموم الولاية.
 هذه الوضعية المختلة، جعلت المجال عرضة ومسرحا لديناميات مختلفة، كان من نتائجها، وجود مورفولوجية حضرية (إن لم نقل ريفية)، غير متناسقة وهشة في مجملها. ووجود حركات سكانية مختلفة الوجهات، عملت على إفراغ مناطق لحساب أخرى، كان المتضرر منها بالدرجة الأولى هو المراكز الحضرية، التي ما كانت مهيأة، أصلا، لساكنتها الأصلية، فضلا أن تكون مهيأة لاستقبال وافدين جدد، وهو ما زاد من الضغط والطلب على المرافق والتجهيزات والخدمات الإدارية والتأطيرية، التي ظلت دون المستوى، سواء من حيث النوعية أو من حيث شمولية التغطية.
وقد عملت الدولة، في محاولة منها لإعادة التوازن المجالي، على تنفيذ سياسات ومخططات يظهر من خلالها التهميش الذي تتعرض له المنطقة، فأغلب المشاريع والتدخلات في الولاية، إما قديمة، تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ولا ترقى إلى ما هو مطلوب، أو سياسات وبرامج استعجالية هشة، الهدف منها سياسي في المقام الأول، واستثناء، نُشِيد بالسياسة التي اتبعتها الحكومة حديثا في مجال التخطيط الحضري والقضاء على الأحياء العشوائية، والتي شملت إلى حد الآن مدينة روصو ونواكشوط ونواذيبو، حيث بدأت ظاهرة التوسع العشوائي تختفي في هذه المدن.

المصدر: موقع دروب، بتاريخ :
http://douroub.info/index.php?option=com_content&view=article&id=753%3A2012-12-17-16-16-40&catid=1%3A2010-12-09-22-46-00&Itemid=3

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire